ابن أبي الحديد
146
شرح نهج البلاغة
تارة مرفوعة ، وتارة مجرورة ، وتارة منصوبة ، فإن أرادوا قسرها بإعراب واحد ظهر منها في التكلف أثر بين ، وعلامة واضحة ، وهذا الصنف من البيان أحد أنواع الاعجاز في القرآن ، ذكره عبد القاهر ، قال : انظر إلى سورة النساء وبعدها سورة المائدة ، الأولى منصوبة الفواصل ، والثانية ليس فيها منصوب أصلا ، ولو مزجت إحدى السورتين بالأخرى لم تمتزجا ، وظهر أثر التركيب والتأليف بينهما . ثم إن فواصل كل واحد منهما تنساق سياقه بمقتضى البيان الطبيعي لا الصناعة التكلفية . ثم انظر إلى الصفات والموصوفات في هذا الفصل ، كيف قال : ( ولدا ناصحا ) ، ( وعاملا كادحا ) ، ( وسيفا قاطعا ) ، ( وركنا دافعا ، لو قال : ( ولدا كادحا ) و ( عاملا ناصحا ) ، وكذلك ما بعده لما كان صوابا . ولا في الموقع واقعا ، فسبحان من منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة ! أن يكون غلام من أبناء عرب مكة ، ينشأ بين أهله ، لم يخالط الحكماء ، وخرج أعرف بالحكمة ودقائق العلوم الإلهية من أفلاطون وأرسطو ! ولم يعاشر أرباب الحكم الخلقية والآداب النفسانية ، لان قريش لم يكن أحد منهم مشهورا بمثل ذلك ، وخرج أعرف بهذا الباب من سقراط ! ولم يرب بين الشجعان ، لان أهل مكة كانوا ذوي تجاره ، ولم يكونوا ذوي حرب ، وخرج أشجع من كل بشر مشى على الأرض ، قيل لخلف الأحمر : أيما أشجع عنبسة وبسطام أم علي بن أبي طالب ؟ فقال : إنما يذكر عنبسة وبسطام مع البشر والناس ، لا مع من يرتفع عن هذه الطبقة ، فقيل له : فعلى كل حال . قال : والله لو صاح في وجوههما لماتا قبل أن يحمل عليهما . وخرج أفصح من سحبان وقس ، ولم تكن قريش بأفصح العرب ، كان غيرها أفصح منها ، قالوا : أفصح العرب جرهم وإن لم تكن لهم نباهة . وخرج أزهد الناس في الدنيا ، وأعفهم ، مع أن قريشا ذوو حرص ومحبة للدنيا ، ولا غرو فيمن كان